الذهب .. من البداية

30 سبتمبر 2006

في التساؤل في المقال السابق أضافت لي ردود وروابط الأخوة طلال ومصعب وسلطان الكثير. بعد ذلك قمت بالبحث وتمكنت من جمع ما يعطي تصورًا جيدًا عن ما يميز الذهب وعن استخدام النقد منذ القدم إلى الآن. ووضعت ذلك في نقاط متتابعة:

> في العصر البابلي كان مكيال من الحنطة هو وحدة القياس. وكان الذهب، في يوم من الأيام، يدرج في عداد النقود السلعية. وعبارة النقود السلعية تعني: الماشية، الحبوب، الأسماك المجففة، وسبائك الشاي، وغيرها. فإذا أخذنا الماشية، وسلخنا عنها صفة النقدية، تبقى قيمتها قائمة، لأنها قادرة على إشباع حاجة أساسية عند الإنسان. ولكن إذا أخذنا الذهب، ونزعنا عنه صفة النقدية، فإنه حينئذ ينحدر إلى أهبط المستويات، حيث إنه لا يشبع في ذاته حاجة عند الإنسان.

> بعد ذلك أصبح الذهب والفضة أول سلع التي تحصل على قيمتها المشكّلة. ففي الزمن البطريركي كان الذهب والفضة لا يزالان يخضعان للمقايضة وكانا يتبادلان بكميات من المعادن ولكن رغم هذا فقد أظهرا ميلاً ليصبحا ذوا مقدرة فعالة ونالا درجة مرموقة عن غيرهما فملكها الحكام رويدًا رويدًا وختموها بأختامهم، وولد النقد.

> الذي جعل المواد الثمينة تمتاز بالاستعمال، وتستعمل كوسيط في التجارة، هي هذه الرسوم التي هي محض اتفاق، وبمقدرة أية سلعة أخرى، ولو بدرجة أقل، أن تقوم بهذا الواجب. يذكر الاقتصاديون هذا ويقدمون أكثر من مثال واحد.

> برغم ذلك فاختيار الذهب كوسيط كان للعديد من الأسباب: صعوبة إنتاجه، ندرته، قابليته للتداول، سهل الحمل، سهولة التعرف عليه، قابليته للطرق، جماله، كثافته، مقاومته للصدأ (ليس كالحديد والنحاس)، توحد نوعه، قابليته للتقسيم ولا يختفي باستهلاكه (ليس كالألماس والأحجار الكريمة)، عدم إمكانية تزييفه، وطابع الاستقرار الذي ينفرد به. إضافة إلى ذلك فالذهب ليس مجرد سلعة مضمونة القيمة على مر العصور، إنه جزء من الثقافة والذوق وطريقة الحياة لدى الغالبية العظمى من سكان الأرض، وهو أكبر تأثيرًا وانتشارًا من أي سلعة جمالية أخرى.

لهذه الأسباب أصبح الذهب وسيلة لحفظ السيولة باعتباره الشكل الأخير للتعبير عن القيمة (Ultimate store of value) ووحدة للقياس.

> في بداية القرن العشرين، استخدمت الأمم الذهب كعملة عالمية. وقبلت كل الدول الذهب لتسديد الديون العالمية. ومع عصر الاختراعات والثورة الصناعية، بدت الحاجة ملحة إلى السيولة اللازمة لتأمين التوسع في الصناعات، ولمجاراة التطورات السريعة المستمرة. ولما كان يصعب العثور على كميات هائلة من الذهب، تستطيع سد هذا الطلب على العملة، بدأت الأنظار تتطلع إلى العملة الورقية المغطاة بالذهب، لسهولة التداول بها. وظهرت “قاعدة الذهب“. وتعني أنه يمكن أن نحصل على كمية معينة من الذهب مقابل أغلب العملات الورقية من أي مصرف أو خزينة قومية. فالذهب هو غطاء لها 100%. حتى إنه كان لهذه الدول مسكوكات ذهبية مقدرة بمقدار معين، ونسب ثابتة لباقي مسكوكات الدول الأخرى.

> حين جاءت الحرب العالمية الأولى، أصدرت ألمانيا أوراقاً نقدية بدون تغطية ذهبية، حتى تستطيع دفع تعويضات الحرب الباهظة التي فرضت عليها. ووصلت بسبب هذا ثقة المؤسسات المصرفية بالعملات الورقية أدنى درجة. فوضعت اتفاقية نصت على أن تكون لكل عملة قيمة ثابتة مقوّمة بالذهب، وجعلت الدول المنضمة إلى الاتفاقية، تعتمد على الدولار كعملة للاحتياط أو للتغطية النقدية، وكانت هذه اتفاقية بريتون وودز.

> بهذه الاتفاقية ظهرت “قاعدة الصرف بالذهب“، وتوج الدولار على رأس المال والاقتصاد العالمي، ولكن تحت عباءة الذهب. فحدد سعر 35 دولارًا لكل أونصة ذهب، وارتبط بذلك سعر الذهب بالدولار. وكان الدولار مغطى بالذهب بنسبة 100% وهذا يعني أن أصحاب الأرصدة من الدولارات إذا أرادوا تبديله بالذهب بالسعر الرسمي، استناداً إلى بنود الاتفاقية المذكورة، فإن الولايات المتحدة تستطيع تأمين ذلك بسهولة، (واليوم أغلب احتياطي الذهب، وهو أكبر احتياطي في العالم، يخزن تحت الأرض في فورت نوكس بكنتاكي). وهذا أجبر الدول النامية على الاحتفاظ باحتياطاتها النقدية بالدولار، بينما كانت بقية الدول المصنعة تحتفظ بجميع كميات الذهب، التي تطرح للبيع في الأسواق الدولية، وهذا خلق تبعية نقدية كاملة لعملات هذه الدول تجاه الدولار.

> أخذ الاقتصاد الأميركي في النمو والاتساع طيلة فترة الخمسينيات، لأن أميركا نصبت نفسها سيدةً لهذا العالم. فأخذت على عاتقها بناء ما تهدّم، وأغدقت المعونات والمساعدات على ما سمي بالدول النامية، والتزمت بإنشاء أحلاف عسكرية، وبناء قواعد عسكرية في معظم أرجاء العالم، وأفرطت في تطوير السلاح النووي والصاروخي، وتبنّت خطة غزو الفضاء. فاقتضى ذلك منها أن تطبع من الدولارات ما يفوق الحصر، وتاهت هذه الدولارات في الأرض شرقاً وغرباً، وكانت تسمى بالدولارات الضائعة. وفي بداية الستينيات كانت قد انتهت فترة ازدهار الاقتصاد الأميركي، وظهر العجز في ميزان مدفوعاتها، وأخذ يزداد ويتفاقم، فبدأت الأزمات الاقتصادية.

وبدأ الغطاء الذهبي للدولار، الذي كانت نسبته أكثر من 100%، أخذ يتقلص إلى النصف، ثم نـزل هذا الغطاء حتى انـزاح بالكلية، وأصبحت الأرصدة الذهبية في المصرف الفدرالي الأميركي لا تكفي غطاء؛ لتراكم الأرصدة الدولارية الورقية خارج أميركا.

> حينها أعلن نيكسون، رئيس الولايات المتحدة سنة 1971، إنهاء علاقة الدولار بالذهب كعملة، وأن الدولار لم يعد قابلاً للتحويل إلى ذهب، وأوقف تبديل الدولار بالذهب، فيكون نيكسون بذلك قد خرق الاتفاقات الدولية، بين أميركا وحليفاتها من الدول الغنية، وأصيب عالم المال بذهول شديد جراء هذا القرار، وكان نيكسون قد أراد إقرار الدولار ليكون على قمة الاقتصاد الدولي من كافة الوجوه. وشنت أميركا حرباً شعواء لا هوادة فيها على الذهب؛ لإخراجه عن كونه نقداً، ولجعله سلعة كأية سلعة من السلع، يتحكم فيه قانون العرض والطلب، بعد أن تنتـزع عنه الصفة النقدية نهائياً، حتى يتربع الدولار على عرش النظام النقدي العالمي، ويأخذ مكان الذهب، ويصبح هو العملة الوحيدة في الأساس النقدي، وفي تحديد أسعار النقد والسلع، وفي التجارة الدولية. وظهرت “قاعدة الاعتماد على الدولار“.

> وبعد أن تربع الدولار على العرش، ظهر اليورو مزاحمًا، و أصبح يستعمل كعملة حسابات وفوترة للمبادلات، وزادت حصته في احتياطات المصارف المركزية، ومع ذلك فإن أزمة النقد العالمية ستبقى مستعرة؛ لأن النقد الورقي كالدولار، لا قيمة ذاتية له، بلا غطاء ذهبي، وكذلك اليورو، وإن كان نص قانون إنشائه على نسبة من الذهب في المصرف الأوروبي، لكنها ليست غطاء بقدر ما هي احتياط معنوي؛ ولهذا فالأزمات في النقد ستبقى مستمرة حتى يعود العالم إلى القاعدة الذهبية.

> إن الدولة الوحيدة القادرة على إعادة العالم إلى القاعدة الذهبية، والاستمرار في شوط ضرب الدولار وكل النقد الورقي إلى منتهاه، وإنقاذ العالم من شقاء الرأسمالية الاقتصادية، وتحكم الأوراق النقدية للولايات المتحدة وأتباعها، ونشر الخير في ربوع العالم. هذه الدولة هي فقط الدولة الإسلامية، دولة الخلافة الراشدة. فهي قائمة على الإسلام، وقاعدة النقد فيها هي الذهب والفضة، بنصوص ثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالنقد بهذه الصفة حكم شرعي لا خيار تطبيقي.

تحديث: هذا بحث متعلق بالموضوع: “دينار محمد قادم” من إسلام اونلاين. شكرًا مصعب.

——————————————————–
المصادر/
ويكيبيديا: Why Gold
ويكيبيديا: Bretton Woods system
مجلة الوعي. الأعداد: 207-211-212-213-214
أرشيف الماركسيين: كتاب بؤس الفلسفة
جريدة الشرق الأوسط: شهية الأصفر
الموسوعة العربية العالمية: الذهب
مجلة الدفاع الوطني: اقتصاديات الذهب

7 تعليقات to “الذهب .. من البداية”

  1. Talal قال:

    بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تلخيص رائع للتطور النقدي عموماً أحببت أن أضيف لك هذه المعلومة:

    أحد أهداف الحرب العالمية الاولى ومن بعدها الثانية هو السيطرة على الاقتصادات العالمية عن طريق اغراق الدول في ديون ضخمة بسبب الزيادة في المصاريف الحربية خاصةً والمصاريف الاخرى عموماً،وقد حدث ذلك في المانيا حيث دعم الصهاينة الزعيم النازي هتلر حتى سيطر على المانيا ومن ثم حثوه على تدمير الدول المجاورة ، ومن المستفيد؟؟؟
    المرابين اليهود والعوائل اليهودية التي تتزعم تجارة المال
    مصانع السلاح اليهودية
    الساسة اليهود ليتمكنوا من السيطرة على دول عدة بعد انهيارها
    وهنا جاءت معاهدة بريتون وودز لدعم الدولار حتى يصبح العملة الاولى عالمياً وذلك لان تركزات اليهود واموالهم اصبحت هناك مع دعم يهود بريطانيا الاقوياء ليهود امريكا وبعد ذلك كانت خطة تحييد الذهب عن مركزة العالمي كغطاء وايضاً الفضة ليحل محلها الدولار فكانت الخطة في عهد نيكسون كما تفضلت،لماذا تحييد الذهب؟؟؟؟
    صعوبة التلاعب في اسعار العملات المغطاة كاملةً بالذهب،بشرط ألا يصدر عملة ورقية إلا بغطاء من الذهب
    وبالتالي صعوبة السيطرة على الاقتصاديات
    وايضاً،وجود وفرة من مخزون الذهب في الدول الاسلامية والافريقية غير مستغل نهائياً وبالتالي نهوض الامم الاسلامية اقتصادياً وهذا من اهم الاسباب
    وكذلك لفرض سياساتهم النقدية على العالم عن طريق البنك النقدي الفيدرالي الامريكي

    الحل هو فيما تفضلت به :
    دولة إسلامية قوية إقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وتعليماً وهو الاهم تكون من حدود الخليج العربي وحتى المحيط الأطلسي بالإضافة إلى الدول الأخرى المتفرقة في العالم

    مع الاسف على الإطالة

    تحياتي
    طلال

  2. مصعب قال:

    شكرًا محمد

    بحث رائع، ومجهود واضح

    وللدينار الإسلامي قصة..

    أنصح بقراءة ملفٍ بعنوان “دينار محمد.. قادم” أعدته (إسلام أون لاين) قبل ثلاث سنوات

  3. مدونة م قال:

    طلال:
    لا أحد يفوق اليهود خسة ومكرًا حين يتعلق الأمر بالمال.

    إضافاتك دائمًا رائعة. شكرًا لك.

    مصعب:
    يسعدنس مرورك. وسأبحث عن الملف الذي ذكرت وأرفقه إن شاء الله.

  4. FATOOO قال:

    السلام عليكم…..
    ادري ان ذا الموضوع قطه بس اذا مافي مانع وبما انك انسان مهتم بالتسويق حبيت استشيرك بواجب تسويقي جامعي اذا ممكن؟؟؟

  5. مدونة م قال:

    معرفتي بالتسويق أقل -بكثير- من اعتقادك على ما أظن.

    إن أفضل من يمكنك استشارته هو الأخ رؤوف شبايك فهو متخصص تسويقي، وسيرحب كثيرًا باستفساراتك ويجيب عنها باحترافية: http://www.shabayek.com

    ثقي أني لن أتردد في مساعدتك حين أقدر.
    أسعد دومًا بتواجدك فتوو. شكرًا لك

  6. FATOOO قال:

    شكرا لك
    الدال على الخير كفاعله شكرا لك

  7. مدونة م » إرشيف المدونة » لماذا الذهب؟! قال:

    [...] تحديث: مقال الذهب من البداية [...]

أكتب تعليق